|
|
|
|
|
|
|
في السادسة عشرة من عمرها كانت – رفيف – تنتقل بين مقاهي الحمراء في بيروت تحمل تحت جناحيها كحمامة زاجلة أحلامها الصغيرة أينما حطت ولم تتعب هذه الحمامة البيروتية ولم تيأس في هذا العمر الطري من طرق البوابات التي تفضي إلى قاعات الأدب والفن في مسعى منها لإيجاد مقعدا ولو منزو في ملتقيات الأدباء والفنانين في زمن كانت فيه كل الأمكنة والمقاعد محجوزة ومخصصة للكبار. وكانت وهي صبية أشبه بطفلة قد استمعت إلى حكاية خرافية من
حكايات الجدات ذات النهايات المشوقة والمثيرة عند الأطفال .. خرجت من الحكاية
لتجد نفسها في غابة مسحورة عصافيرها لا تكف عن التغريد والسناجب تتقافز من
شجرة لأخرى والأقزام الذين هم في حجم السنافر لا حصر لهم هم وليس مع رفيف إلا
صـرة أحلامها المليئة بالأقلام الملونة وألعابها ودفتر يومياتها الصغير ،
والإنسان أي إنسان يشبه أفكاره فان هذه المبدعة التي كأنما تكتب بريشة عصفورة
لغتها البسيطة السريعة والمختزلة ، ما كانت تبدو قريبة العهد من طفولتها ذلك
أن كتاباتها وهي ترصد تحركات الكبار هذه الكتابات تمنحنا إحساسا وكأن هذه
الكاتبة بلا طفولة ، طفلة مقطوعة الجذور من ماضيها طفلة تقف عند حدود حاضرها
ولا تتجاوزه . |
|
إني
أخاف الرجوع إلى طفولتي ، لقد كانت طفولة قاسية ووحيدة عندما أتذكرها . |
|
رفيف – تخاف الرجوع إلى طفولتها لماذا ؟ .. ربما لأنها طفولة قاسية وربما لان هذه الطفولة تشعرها بالرعب وبالفزع أو أن هذه الطفولة لم تكن هينة علي الإطلاق من هنا نجدها تهرب منها وتتجنبها في كتاباتها قدر ما تستطيع بل تودعها فيما يعرف عند علماء النفس في المنطقة الغفل من صحراء الذاكرة وإذا ما عصفت عرضا رياح ذكريات الطفولة عليها فإنها تتحاشاها وتوصد في وجهها ألف باب .وإذا كانت رفيف تتجاهل هذه الطفولة في كتاباتها علي الأقل فان تلك الطفلة ذات الشعر الطويل قد جلست ذات يوم علي عتبة دارها في - عين المريسة - وكلها عيون مفتوحة تنظر بها وتري كل شيء ولا تتكلم ولا تطرح أسئلة من أي نوع فهل ثمة ما كان يخرسها حتى الآن ككاتبة ويطلق لسانها كإنسانة ؟ لنتجاوز مسألة طفولة – رفيف – للحظات ونعود لاستكمال أغوارها عندما يحين المشهد المناسب ففي الثامنة عشرة من عمرها عام 1971 في هذا العمر المشتعل أدبا وفنا وثقافة وحيوية وجمالا أصدرت رفيف روايتها الأولي ( لا شيء يهمني ) ومحور هذه الرواية يتلخص في أن يكون الإنسان نفسه في مواجهة مجتمع يفرض عليه أن يكذب علي نفسه وعلي الآخرين ، و رفيف حين كتبت روايتها هذه لم تكن تعرف خبايا دنيا النساء فقد عاشت طفولتها مع أخوتها الصبيان وتأثرت كثيرا بسلوكياتهم وتعبيراتهم اللفظية وشتائم الخصام المشاعة بين أقرانهم وكانت تحاكيهم في ملابسهم وفي طريقة تصفيف شعرهم ، في فوضاهم وفي عدم عنايتهم بالنظام ، غير أنها بعد ثلاث سنوات من خروج هذه الرواية من المطابع إلى المكتبات بدأت تكتشف دنيا النساء وأدهشها كثيرا لكم هي غامضة ومقفلة وصعبة ، دنيا رأتها مخيفة صدمتها بأشياء لم تفهمها حق فهمها كأن ما بين النساء جميعا إرثا يتداولنه في سرية تامة ، وبرغم أنها امرأة مثلهن إلا أنه كان من الصعب عليها قراءة النساء كما ينبغي حتى أنها ظلت لفترة لا تعرف لها مكانا بينهن .في مجموعتها القصصية : ( بيروت
الأزقة والمطر ) نتكشف انعكاسا للحياة التي عاشتها
رفيف حيث الشعارات القومية والاجتماعية بدءا من عبد الناصر ( الخالد ) إلى
المد القومي في مشرق الوطن ومغربه إلى الثورة الفلسطينية هذه التحولات وغيرها
تداولتها الأوساط الثقافية العربية ومنها بيروت التي أثمرت عند - رفيف -
بيروت الأزقة والمطر أما في روايتها : ( تفاصيل
صغيرة ) فإن أسلوبها قد بدأ في التشكل الحقيقي ومن
خلاله انتبهت إلى أن تقول أكثر الأشياء بأقل الكلمات . |
|
الكلام
يقود الإنسان إلى خارجه بينما الكتابة تجره إلى الداخل وهذا ما كنت أخشاه
فأنا لا أريد أن أسيء إلى أحد ولا أن أحاسب أحدا ولا أحب أن أكون قاسية . |
|
أما بالنسبة إلى الطفلة في داخل رفيف فإنها ما تزال حية لم تمت أو تنته وهي ذاتها تريد من هذه الطفلة أن تكبر وكل ما في الأمر أنها تحميها وتحمي معها طفولتها والسبب أن البنت الصغيرة رفيف قد هجرها الأب الفنان ليتزوج من امرأة ثانية وكانت أمها كما تقول رفيف شابة وجميلة . تلك الأم التي عاشت من أجل رفيف وأخوتها الصبيان ونذرت لهم شبابها لتربيتهم ولم تتزوج . و رفيف حين تتصور هذا الآن وقد أصبحت هي الأخرى أما لثلاثة أطفال تشعر برغبة بالبكاء لأنها عاشت مظلومة واستمدت من هذا الظلم قوتها علي مجابهة مصيرها ولم تحاول مرة أو خطر علي بالها أن تنتقم من أبيها خوفا من أن تأخذ الطفلة مكانها وتكتب نيابة عنها وعند ذلك لا تستطيع إيقافها ولا تعرف إلى أين يمكن أن تنتهي بالضبط . والدها هو الشاعر الغنائي الفنان ( محمد علي فتوح ) غنت
له من أشعاره المطربة الكبيرة سعاد محمد (أحلفك وأشكيك لله ) وغنت له وردة (
دق الحبيب دقة في منتهى الرقة ) . ورفيف تحب الاستماع إلى
جميع الأغاني التي صاغها والدها لكنها لا تحب من بينها أغنية : مظلومة يا ناس
مظلومة التي ناحت بها لحنا حزينا الفنانة سعاد محمد وتفسير ذلك عند رفيف أن
التي وقع عليها الظلم ليست سعاد محمد إنما وقع الظلم علي أمها الشابة الجميلة
. |
|
|
|
الكتاب مجاز من قبل إدارة المطبوعات في بنغازي
جميع الحقوق محفوظة ولا يسمح بنقل أي جزء من نصوص وصور وموسيقي هذا الكتاب إلا بموافقة كتابية خاصة ، فيما عدا حالات الاقتباس القصيرة بغرض النقد أو التحليل وفقا للقواعد التي تفرضها الأصول العلمية .
|
|
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ |