تشكيلية - أدبية
غير مرتبطة بمواعيد تحديث ثابتة
 

العدد الخامس
15 أغسطس2005
 
السنة الأولي

رئيس التحرير : فتحي العريبي


 

ااا   الكرسي   ااا
قصة قصيرة  



بقلم
د .  أحمد السري(*)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللوحة للفنان المصري : عاطف زرمبة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 


 

ها هو أخيراً في منصة القاعة، في المكان الذي رغب أن يجربه ولو لحظة على الأقل، وهاهو كرسيه المألوف خالٍ بين المقاعد الممتلئة بالناس. كان لابد أن يصوب نظرةً إلى حيث كان يقعد ويظل صامتاً محدقاً في المنصة وفي اللاشيء. لم تكن تثيره أبداً هتافات الجموع في القاعة، وطالما اندهش في تلفته وهو يرصد حماساً حقيقياً في الوجوه، وأصواتاً تُطلق من الأعماق. كان دائم الهدوء، غائباً في تفاصيل الأشياء، و نادراً ما استشعر لوماً داخلياً لقلة إحساسه بما يدور رغم حرصه على حضور كلِ مناسبةٍ ويسابق للحصول على الكرسي رقم 48 في الصف الخامس من القاعة(*).

لعله يستمتع الآن بنعمة المُحْتَفَى به في المنصة وكلُ الأعينِ مصوبة نحوه. القاعة مليئة بالوجوه والأضواء والألوان وكل آيات الأبهةِ والفخامة، إنها تحتفل به هذه المرة وعليه أن يلقي كلمةً، أن يقول شيئاً كما جرت سنةُ الأولين.

بدأ .. بسم الله .. فأعجبه الصمت الذي أعقب اسم الله. أحس توحدا حميمياً مع الصمت الذي يألفه.. حدق في تفاصيل القاعة  التي يراها لأول مرةٍ بكل هذا الاتساع ، لكنه لم ير سوى كتلةٍ بشرية بلا اسم ولا وجه.  غشيته تلك البلادة التي كانت تأتيه في مقعده ولا يجد معها بين جوانحه ذرة انفعال يسهم به في سوق الهتافات المجيد.

أفاق من صمته وقال ثانية.. بسم الله.. فامتد السكون قليلاً عند الجمهور، وعليه بالطبع في  هدأة الصمت الجليلة هذه - أن يتفهم شوق الجمهور  لسماع كلمة على غير ما ألفوا حتى الآن، بعد أن قُدِّم بكل عبارات التفخيم مُحتفى به لهذا الموسم.

 بسط ثانية عينين تائهتين وأوشك أن يتفحص وجوها حقيقية، لكنه سرعان ما أدرك وهم التطلع إلى وجوه لن يراها إلا مرة واحدة. استرد عينيه وهو يلحظ نفاد الصبر في الوجوه وامتداد التململ الذي أوشك أن يخدش حياء القاعة ووقارها الكريم. كانت لحظات خاطفة لكنها كانت تكفي لتزدحم في عقله أكوام أفكار ورؤى تتسع لعالم كامل.


 نظر ثانية إلى كرسيه الخالي وأحس حاجةً لشكر القائمين على نظام القاعة، فقد بقي كرسيه خاليا كما أراد في يوم تكريمه. استجمع قواه أخيراً، وقرر أن يبوح بالأحاسيس التي طفت على سطح وعيه الآن، وبتلك الفكرة الجلية التي يراها ناصعةً تخبره بأن عالم أفكاره ليس سوى ركام كراسة قديمة وشتات فلسفات متعاقبة لم تسكن ألماً، ولا أوقفت صراخ البشرية المتواصل منذ فجر التاريخ، لكنه بدلاً من ذلك وجد نفسه يقول: " أعلي أن أكون مملا في يوم استثنائي كهذا، أعلي أن أدنس صوتي برجس كلمات خاوية كأعجاز نخل. لقد أردت فقط أن أوجه شكراً خاصاً لصامت عزيز، لكرسي الخشبي الذي احتوى جسدي المتهالك سنواتٍ طوال في هذه القاعة. إنه الوحيد الذي يحفظ همسي ويتطيب برائحة آمالي، الكرسي الـ 48 في الصف الخامس من القاعة".

 ارتخت أعصابه بوضوح بعد انسحاب كل الأعين من ساحة وجهه، وشرع يرقب أعناق الحضور تنحرف باتجاه مقعدٍ خال، ويقف البعيدون لإلقاء نظرةٍ على كرسي عادي كسائر كراسي القاعة، بعد قليل غادر المنصة باتجاه باب الخروج وهو يرقب تدافع الجموع نحو كرسيه الأثير. أخذ القيمون على النظام بضبط طابور طويل للمرور على الكرسي... بعضهم أصر على لمسه... آخر مسح عليه بباطن كفه، فيما بالغ بعض ثالث وجلس عليه لحظة متفرساً متسائلاً.

 وقبل أن يخرج المُحْتفى به نهائيا من القاعة الفخمة أحس وخزاً مؤلماً في الأعماق كأنه الأجل، وحاجةً ملحة ليصرخ من كل أعماقه للمرة الأول.



(*)- السيرة الأدبية والعلمية للدكتور : أحمد علي السري ( أضغط هنا من فضلك .. )


 


أضغط هنا للانتقال إلي فهرس هذا العدد : 7 الصادر يوم 25 .10 .2005
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهرس العدد الخامس
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
أرشيف المجلة
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصفحة الرئيسية  
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   
ااا 
الناشر : مرسم عش الحمامة  ااا
  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  
 
التعريف بالمجلة
 وشروط النشر
 علي صفحاتها

 
 
^ ^ الانتقال إلي أعلي الصفحة ^ ^