مجلة كراسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الملاحق الثقافية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رئيس التحرير : فتحي العريبي


" الكتب "
عرض وتقديم
 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الملاحق مقتصرة علي نشر موضوعات محددة وأسماء مختارة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




كتاب
 " الحوليات الليبية  "
 



عرض وتقديم
فتحي العريبي


 



غلاف كتاب الحوليات الليبية
 

 



الدكتور محمد عبد الكريم الوافي
 


 

نستهل هذا الملحق بعرض المقدمة الضافية لكتاب : الحوليات الليبية التي صاغها الدكتور والمؤرخ الليبي القدير : محمد عبد الكريم الوافي .
 



الدكتور محمد الوافي والفنان فتحي العريبي
في عش الحمامة – يراجعان صور كتاب الحوليات
بنغازي 1999


 

الحوليات الليبية
منذ الفتح العربي حتى الغزو الإيطالي
تأليف : شارل فيرو

نقلها عن الفرنسية وحققها بمصادرها العربية
ووضع مقدمتها النقدية
الدكتور محمد عبد الكريم الوافي
أستاذ بقسم التاريخ
كلية الآداب والتربية
– جامعة قاريونس - بنغازي
 

ولربما يصعب على المرء أحيانا أن يعود ثانية- بعد مضي مثل هذه المدة - إلى كتاب له، فيُعمل  فيه معول النقد والتمحيص مجددا، خصوصا وأنه كان يعتقد أن التقديم النقدي الذي وضعه له في طبعته الأولى يفي بالغرض. ومع ذلك فإن مقدمة ثانية للكتاب أصبحت لا تحتمل تأجيلا ، وذلك لعدة اعتبارات: أولها أنني خلوت منذ نشر هذه الترجمة إلى استقصاء المعلومات حول مؤلف " الحوليات  " ونقبت مدة طويلة في مراسلاته المحفوظة بإرشيفات مكتبة وزارة الخارجية الفرنسية في باريس، وذلك بحثا عن إجابات شافية عن تساؤلات عنت لي حول إقامته بطرابلس في أواخر القرن الماضي . وقد قادني ذلك إلى الاطلاع بصبر على معظم تلك المراسلات الخطية المصنفة في ستة مجلدات. ثم جرني هذا الجهد بدوره إلى محاولة التعرف على بقايا نسله وحفدته. وبالفعل، فإن هذا الاهتمام بشخصية المؤلف انتهت في خاتمة المطاف بتعرفي بسيدة فرنسية عجوز تناهز الستين سنة، ما تزال تقطن باريس، كان زوجها المتوفى حفيدا لابن "شارل فيرو". والحقيقة أن هذه السيدة قد أسدت لي جميلا لا يُنسي : ذلك أنها أعارتني ثلاثة مجلدات تتضمن جانبا من مراسلات هذا المؤرخ الخاصة. وكانت حفيدة " شارل فيرو" نفسها- قبل وفاتها في سنة 1961- قد جمعت تلك المراسلات الخاصة وطبعتها بنفسها على الآلة الكاتبة.

والحقيقة أنني  لست هنا بصدد الإثقال على القارئ بالتطرق تفصيلا إلى المعلومات التي جمعتها على هذه الشاكلة حول مؤلف " الحوليات  " ذلك أن  هذا الجهد قد أعانني الله منذ سنة 1977 على صياغته ونشره في كتاب لي بالفرنسية عنوانه: " شارل فيرو وليبيا.. دراسة عن قنصل فرنسي بطرابلس في القرن التاسع عشر ". وهو كتاب تناولت فيه شخصية هذا الرجل من ثلاث زوايا: ففي الفصل الأول عالجت شخصيته من حيث أنه أحد أعلام مدرسة الاستشراق الاستعمارية الفرنسية ، وفي الفصل الثاني من حيث أنه رجل سياسة ودبلوماسية محترف، وفي الفصل الثالث من حيث أنه مؤرخ (1).

غير أن الذي سأتطرق إليه هنا من تلك الدراسة، يتعلق بفرضية، كانت قد بدت لي وأنا أترجم " الحوليات " عن الفرنسية ، وكأنه من تحصيل الحاصل، وهي اعتقادي آنئذ، شبه الجازم، بأن هذا القنصل الفرنسي كان على معرفة شخصية بالمؤرخ الليبي المعاصر له أحمد بك النائب الأنصاري . إذ إنني في دراستي النقدية الأولى التي صدّرت بها لهذا الكتاب، لم أكن أستند فيما ذهبت إليه إلا على شواهد لا تتعدى المقارنة بين مضموني كتابي الرجلين عن ليبيا.

فالذي أريد أن أقرره في هذه المقدمة الثانية، هو أن " شارل فيرو" كان على علاقة شخصية بمؤرخنا أحمد بك النائب الأنصاري، على الأقل منذ 14 يوليه سنة 1882. ذلك أنني عثرت في إرشيفات وزارة الخارجية الفرنسية - في سنة 1975- على رسالة كان "  شارل فيرو " قد وجهها من طرابلس في تلك السنة إلى وزير الخارجية الفرنسية، يبلغه فيها بأنه قد أقام حفلا بدار القنصلية الفرنسية- ( ما يزال مبناها واقعا حتى الآن بزنقة الفرنصيص، بالمدينة القديمة، قرب قوس ماركورس أوريليوس الروماني )- بمناسبة عيد فرنسا القومي ، حيث جاء في إحدى فقرات تلك الرسالة قول القنصل:
 

يقول الدكتور الوفي في مقدمة الطيعة الثانية من هذه الحوليات : لقد انقضت الآن عشر سنوات بالتمام على قيامي بنشر الطبعة الأولى ( 1984 )  لهذه الترجمة العربية المحققة لي " الحوليات الليبية " لصاحبها القنصل والمؤرخ والمستشرق " لوران شارل فيرو".


 

( وفي المساء، دعوت واستقبلت بمبنى القنصلية جميع أكابر مدينة طرابلس. ولقد شرفنا بالحضور الوالي راسم باشا نفسه، وكان بمعيته الدفتردار، وعميد البلدية (شيخ البلاد) أحمد النائب.. الخ ) (2).
 

وهكذا فقد أصبح لدينا الدليل المادي على تلاقي المؤرخين وقيام التعارف الشخصي بينهما،الأمر الذي يثبت صحة جميع الفرضيات التي ذهبت إليها في المقدمة النقدية الأولى التي وضعتها لهذا الكتاب ، وبالتالي صحة الخلوص إلى القول بأن هذا المؤرخ القنصل الأجنبي كان عالة على مؤرختا الليبي أحمد النائب.

مجهولة حتى الآن. وهي أن " شارل فيرو"  قبل أن يقدم على تأليف "الحوليات " كان ينوي أصلا تحقيق أما الأمر الثاني الذي أريد أن أقرره في هذه المقدمة، فإنه يفتح أعيينا على حقيقة كانت  ما تزال مشروع آخر يقتصر على وضع ترجمة فرنسية لكتاب أبي عبد الله محمد بن خليل بن غلبون، المعروف  بـ " التذكار فيمن ملك طرابلس وما كان بها من الأخبار". وهذا أمر كنت أجهله – عند ترجمتي للحوليات الليبية. إلا أنني اطلعت فيما بعد على رسالة كان " شارل فيرو" قد وجههـا في 10 مارس سنة 1879 إلى مكتب وزير الخارجية الفرنسية من طرابلس بُعيد وصوله إلى هذه المدينة مباشرة كقنصل لبلاده فيها. وأعتقد أن هذه الرسالة على قدر كبير من الأهمية، ولذا فإنني أوردها هنا في نصها الكامل مترجما : يقول "شارل فيرو" في رسالته تلك:
 

"إن الطرابلسيين يعيشون تحت عسف أسيادهم الأتراك الجهلاء، ذوي الجشع والعسف، والذين حكموا بلدان الشمال الأفريقي زهاء ثلاثة قرون. وقد أثر تحكم الأتراك فيهم أكثر ما أثر على الإنتاج الفكري والأدبي ، إذ أن الأحداث المهمة الجديرة بأن تتبوأ مكانها في سجل البلاد لا تُدون، وما دُون منها قد تلاشى بانتقاله من جيل إلى جيل، دون أن يبقى في ذاكرة الخلف سوى أشتات أخبار متواترة ومتناقضة حولها هالة من نسيج الخيال.

"غير أننا نخطئ فيما لو اعتقدنا بانعدام الوثائق المكتوبة. ويتحتم ألا نفقد الأمل في العثور عليها بين أوراق بعض الأسر المثقفة، ولو أنها نادرة حقا، زيادة على حرصهم على إخفائها عن الأوروبيين بالخصوص.

 "وأثناء محادثاتي مع العديد من أعيان البلد حول ماضي وطنهم، علمت أن هناك كتاب تاريخ عن طرابلس. وهو عمل فريد في نوعه، يملكه ورثة المؤلف. وبعد جهد جهيد استطعت أن أوفق في التغلب على المراوغة الفطرية التي جبل عليها ورثة الكتاب، وذلك عندما أعرتهم بعض الكتب الشرقية التي أملكها، الأمر الذي جعلهم يبادلونني الثقة، حيث وضعوا ذلك الكتاب تحت تصرفي . ومؤلف كتاب تاريخ طرابلس الغرب هذا هو أبو عبد الله محمد بن خليل بن غلبون. والكتاب يؤرخ للفترة منذ فتح العرب لأفريقيا، إلا أنه للأسف لا يمضي إلى أبعد من أحداث سنة 1046 هـ ، أي سنة 1636 م، أي أنه يغطي أحداث زهاء ألف وثلاث وعشرين سنة. ولقد أكد لي هؤلاء أن النسخة التي أصبحت الآن بين يدي ، تعتبر النسخة الوحيدة التي ما تزال في هذا البلد. وقيل لي أنه كانت توجد للكتاب نسخة أخرى، إلا أن الحكومة العثمانية ابتاعتها منذ اثنتي عشرة سنة، حيث تُرجمت إلى اللغة التركية. ثم تممتُ بسرد أعمال ومناقب الباشوات الأتراك الذين حكموا طرابلس الغرب منذئذ. وقد تم طبعها بالآستانة. ولقد سعيت للحصول على نسخة من تلك الترجمة التركية، سأقارنها بالنسخة العربية التي في حوزتي، إذ قد توجد بعض الفروق بينهما.

 "إن كتاب ابن غلبون، المشار إليه، يحتوي بالنسبة للفترة الخاصة بالفتح العربي على معلومات مستقاة من مؤلفين ومؤرخين عرب قدماء، كما أنه يحتوي كذلك على جملة من التفاصيل التي ما نزال نجهلها حول أحداث غامضة بالنسبة لنا، كانت قد وقعت في هذا البلد أو في تونس أو الجزائر. كما أنه يتضمن، فوق كل شيء، معلومات خاصة بدواخل فزان ومرزق وغدامس، وهي أقاليم لا نعرف عنها حتى الآن سوي معلومات مقتضبة استقيناها من كتب الرحالة. لقد قمت بترجمة هذا الأثر إلى الفرنسية،، ولسوف أتشرف بعرضه على سعادتكم فور انتهائي من ترجمته وتذييله، راجيا منكم منحي الإذن بطبعه ونشره ".
 

هذه هي الترجمة الكاملة للخطاب الذي وجهة " شارل فيرو" إلى وزير الخارجية الفرنسية منذ وصوله إلى طرابلس كقنصل لفرنسا بها في بداية سنة 1879. وهذا الخطاب الذي يُعد ثالث أو رابع خطاب يوجهه هذا القنصل إلى رؤسائه في باريس منذ وصوله إلى طرابلس، يُظهر لنا أن اهتمامات الرجل بمسائل التاريخ الليبي كانت من الأهمية بمكان بالنسبة له إلى درجة أنه، ما أن وجد نفسه بطرابلس حتى شرع في البحث عن كتاب "  التذكار" لابن غلبون، وألح في البحث عنه حتى حصل عليه من ورثته. والأدهى من ذلك أنه قام بترجمته قبل مضي ثلاثة أشهر على تواجده في طرابلس التي وصلها في بدايات يناير 1879. ولست أعتقد أنه وجد صعوبة في ترجمة " التذكار" لأنه كان يتقن اللغة العربية إتقانا كاملا . إلا أن الذي يندهش له المرء هو شدة صبره ومثابرته وقدرته على العكوف على ترجمة الكتاب، بكل ما احتواه من معلومات وتفاصيل، في مدة وجيزة كهذه.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين هي الآن الترجمة التي وضعها " شارل فيرو" لكتاب " التذكار" ؟. إننا في الواقع لم نعثر، ولم يعثر غيرنا، لأي ذكر لقصة هذه الترجمة الفرنسية، إلا في ثنايا أسطر هذه الرسالة. فلعل الرجل أجهد نفسه في وضعها، ثم لم يرض عنها. أو لعله، وقد انتهى منها، تفتحت أمامه آفاق ومطامح أوسع، فصرف النظر عن ترجمته بما كانت عليه، وأكب من جديد على تاريخ ليبيا، فبلور مجهوده ونقحه وزاد فيه شيئا فشيئا حتى حوّله إلى كتاب – جدد د، أكثر تفصيلا  في مادته من "التذكار"، وأسلم منهجية منه، وأبعد منه في المدى الزماني الذي تناوله. لأن "التذكار" يتوقف عند عهد أحمد القرمانلي، بينما تغطي "الحوليات " مادة تاريخية تصل إلى سنة 1879 م. وبالتالي، فإن مجرد تلك الترجمة تحولت إلى كتاب أصيل جديد.

ولكن دعونا نعود إلى ما ذكره " شارل فيرو"، في رسالته المذكورة أعلاه، عندما قال إن

النسخة التي كانت بين يديه من " التذكار" لم تكن تمضي مع أحداث تاريخ ليبيا إلا إلي سنة 1046 هـ، 1636 م. أي إلى بدايات فترة حكم العلج محمد الساقزلي . بيد أن الذي نعرفه أن النسخة الكاملة لكتاب " التذكار" تغطي بالفعل أحداث تاريخنا حتى سنة 1145 هـ، أي سنة 1732 م.. فهل كانت تلك النسخة التي حرص "شارل فيرو" على تملكها منذ مجيئه إلى طرابلس نسخة مبتورة ناقصة؟… هذا هو في الواقع ما أعتقده.

إلا أنني أريد أن أنبه هنا إلى أنني قد توصلت إلى كشف آخر، وهو أن " شارل فيرو" تملك فيما بعد، أو اكتشف فيما بعد نسخة أخرى كاملة من " التذكار". وهي نفس النسخة الموجودة حاليا بخزانة الكتب العربية بالمكتبة الوطنية بباريس. فالواقع أن مخطوط باريس هذا يحمل على غلافه عبارة بالفرنسية هذه ترجمتها: "ملحق رقم 2343، فصل حول طرابلس الغرب، أو تاريخ هذه الإيالة. مخطوط السيد ديلا بورت ". والمعروف أن   " ديلابورت " هذا هو القنصل الذي حل " شارل فيرو" مكانه كقنصل لفرنسا بطرابلس. وكان ذلك القنصل السابق على صاحبنا قد مثل بلاده عندنا للفترة ما بين سنة 1872 م   و 1878 م. مما يثبت أنه هو الآخر كان يسعى في تجميع كل ما تقع عليه يداه من مخطوطات عربية بغية نقلها إلى فرنسا، فساعده الحظ في الحصول على أكمل نسخة      لـ "التذكار". لكن الذي حيرني أن العبارة الفرنسية التي وجدتها على غلاف المخطوط هي بخط " شارل فيرو". الأمر الذي أوقعني في التباس: فإن "" شارل فيرو" قد قال في رسالته السالفة الذكر أن المخطوط الذي حصل عليه من " التذكار" يسجل أحداث بلادنا حتى سنة 1046 هـ: في حين أن المخطوط المشهور المتواجد بباريس، والذي يحمل عبارة بخط " شارل فير" نفسه، هو مخطوط كامل، ويسجل الأحداث حتى سنة 1145 هـ.

ولذا فإنه لا مفر لي من أحد افتراضين:

إما أن رسالته إلى وزير الخارجية الفرنسية حدث بها تصحيف يتعلق بسنة 1046 هـ     ( حيث كان يفترض أن يكتب سنة 1146 هـ ) ولكن هذا الافتراض مرفوض أصلا، لأن   " فيرو" ثنّي على ذلك بقوله في نفس الرسالة: " أي أنه يغطي أحداث زهاء ألف وثلاث وعشرين سنة" مما يتفق وفترة حكم العلج محمد الساقزلي. فتحرزه هذا يعني أنه كانت بين يديه نسخة ناقصة من " التذكار".

إذن يبقى افتراض ثان، وهو أن " شارل فيرو" وقع فيما بعد على النسخة الكاملة من كتاب ابن غلبون، وهي النسخة التي كان قد اقتناها قبله سلفه ( ديلابورت ) وتركها في مكتبة القنصلية أو في أدراجها، ولم يستذل على مكانها " شارل فيرو" إلا فيما بعد، فاستفاد منها في استكمال مادة " الحوليات " ثم نقلها سرا إلى باريس فتملكتها منذئذ المكتبة الوطنية الفرنسية.

الأمر الآخر الذي أريد أن أتطرق إليه في هذه المقدمة الثانية يتعلق بموضوع كنت قد عالجته- كغيري من المؤرخين الليبيين خطأ- وهو اعتقادي بأن قصيدة الشاعر أحمد بن عبد الدائم الأنصاري، التي كان إنشاد صاحبها لها في محاسن ومكارم طرابلس، جاءت ردا على الرحالة المغربي أبي عبد الله محمد بن محمد العبدري الحيحي، الذي مر بطرابلس في الثلث الأخير من القرن السابع الهجري. والواقع أنه يتحتم علي هنا أقر بخطئي في مجاراة غيري في هذا الافتراض. ذلك أن تلك القصيدة كانت ترد على ذلك الهجاء الذي رصده رحالة مغربي آخر لطرابلس، هو عبد القادر الجيلاني، المعروف بتسمية أخرى هي: " الشرقي الإسحاقي ". وهذا الرحالة كان قد مر بطرابلس في سنة 1143 هـ، 1730 م في وفد حجاج مغاربة، فوصف البلاد كعادة غيره من الرحالة، وذكر شيئا من تاريخها الإسلامي. إلا أنه ذم هذه المدينة قائلا :  وعلى كل حال فما رأيت  بهذه المدينة لهذا العهد ما يروق الطرف، ولا ما يحصره الوصف، ولا ما يحصل به الأنس، ولا ما تطمئن به النفس... الخ " إلى أن يقول: "ويكفي في وصفها قول العبدري في رحلته... " .

ثم يورد نفس الشتائم المقذعة التي تفوّه بها الرحالة العبدري، والتي أوردتها في المقدمة الأولى للكتاب .

والحقيقة أن الشرقي الإسحاقي، كان معاصرا لابن غلبون، وأيضا لصاحب القصيدة أحمد بن عبد الدائم الأنصاري. فإن مرور الشرقي الإسحاقي بطرابلس تم بعد عودة ابن غلبون من دراسته في الأزهر بعشر سنوات. وبالتالي فإن تكليف المؤرخ الليبي بوضع كتاب التذكار كان نتيجة ومحاولة للرد على تطاول هذا الرحالة المغربي.

ولمن يريد مزيدا من التفاصيل حول هذا الالتباس أنصحه بالرجوع إلى كتاب الدكتور عبد الهادي التازي ، وعنوانه: " ليبيا من خلال رحلة الوزير الإسحاقي ". فإن بحثه حول هذا الموضوع وافتراضاته مقنعة تمامأ، وللأسف فإنني لم أكن قد اطلعت عليه إبان إصدار الطبعة الأولى. كما أنصح بالاطلاع على المقدمة القيمة التي وضعها الشيخ محمد الفاسي لرحلة العبدري ، طبعة الرباط، سنة 1968، وليرجع كذلك إلى أعمال مؤتمر " ابن غلبون.. مؤرخ ليبيا" الذي نظّمه " مركز دراسة جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي "، بطرابلس منذ ثلاث سنوات تقريبا.

يبقى لي أن أذكر هنا أنني قد أضفت لهذه الطبعة الثانية للكتاب فهرسا لجميع الأعلام والمدن والمواقع الجغرافية التي ورد ذكرها عبر صفحاته. وهذا نقص في الطبعة الأولى أجهدت النفس في استدراكه الآن.

كما قمت بتصحيح بعض الأخطاء التي سهوت عن استدراكها قبل ذلك. إلا أنه قد تكون هنالك هفوات أخرى لم يسمح لي الوقت للأسف بتداركها. كذلك، فإنني كنت في الطبعة الأولى مفتقرا إلى نص هام اعتمد عليه " شارل فيرو" عند تناوله لفترة الغزو الأسباني، وهو نص منتزع من كتاب "مؤنس الأحبة في أخبار جربة"، للمؤرخ الشيخ محمد أبي راس الجربي ، الذي عاش في القرن الثالث عشر الهجري. وعند نشري للطبعة الأولى لم أكن قد اطلعت على هذا الكتاب النادر، ثم حصلت عليه مؤخرا، ولذا فإنني عدت في هذه الطبعة إلى نقل النص عند مباشرة بدل ترجمته عن الفرنسية، ( انظر صفحة 84 و 85 من هذا الكتاب).

 وأبو راس هذا ليبي الأصل ولكنه استقر في جزيرة جربة (1).


 

شارل فيرو
(1829 – 1888)
مؤلف كتاب: الحوليات الليبية
 

 

قبر – شارل فيرو
تصوير الدكتور: محمد عبد الكريم الوافي
1975
 

ولقد صدرت هذه الطبعة الجديدة لي  " الحوليات " بصورة فوتوغرافية نادرة لـ " شارل فيرو" تعتبر الصورة الوحيدة المتوفرة عنه، ولقد أمدتني بها بقايا أسرة حفدته، وهي تمثله حاملا نياشينه التي حصل عليها لقاء جهوده الاستعمارية في الجزائر.

كما أنني حرصت على اكتشاف قبره، زيادة مني في إحكام التقصي حول هذه ا الشخصية. وبعد لأي تمكنت من التعرف على المقبرة التي دفن بها، وهي مقبرة قرية " بوزنصي "  الواقعة في مقاطعة " ليزأردن " في أقصى شمال شرقي فرنسا. والذي يجعلني أحرص على إثبات صورة قبره هي غرابة معمار هذا القبر: فهو- مثلما ترى في الصورة- يقتبس معماره من المعمار الإسلامي. والذي أدهشني عندما زرته، هو أنه يكاد يشبه عن بعد ضريحا من الأضرحة، وذلك بالنظر إلى القبة التي تعلوه، والقوس المنحني الذي يمثل مدخله، والنقوش المقتبسة من المعمار المغربي والأندلسي.. غير أن دهاء مهندسه يكمن في أنه نصب فوق قبة القبر صليبا!!.. ولعمري ! فإن في هذه الحذلقة رمزية استعمارية استعلائية لم تخف علي ، ذلك أن غرز الصليب في رأس القبة معناه واضح: فهو يرمز للهدف الاستعماري الذي سعى إليه " شارل فيرو" طيلة حياته، وهو استحواذ الصليب على القبة واعتلاؤها: أي  استحواذ الغرب الأوروبي على أرض الإسلام. والحقيقة أن هذا الرجل كرّس الخمسين سنة التي قضاها في الجزائر، ثم في طرابلس، ثم في المغرب، لخدمة هذا الهدف.


 

كتب للمؤلف
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلفات والتحقيق والترجمة عن الفرنسية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


(1)- الطريق إلي لوزان  ( الخفايا الدبلوماسية والعسكرية للغزو الإيطالي لليبيا )
        طبعة أولي - دار الفرجاني - طرابلس 1977
        الطبعة الثانية - منشورات جامعة قاريونس - بنغازي 1988

(2)- EL-WAFI MOHAMED ABDELKARIM:
       Charles Feraud et la Libye, ou portait        
       D’un consul de Farance a Tripoli au XICe siecle        
    Dar A;-farjani, Tripoli, Libye, 1977        

 (3)- تاريخ الفلسفة المعاصرة في أوربا             
         تأليف
– بوخينسكي
         الطبعة الأولي : مكتبة الفرجاني
– طرابلس 1970
         الطبعة الثانية : منشورات جامعة قاريونس
– بنغازي 1988

(4)- من داخل معسكرات الجهاد في ليبيا
        تأليف
– جورج ريمون
        الطبعة الثانية : منشورات المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان
        طرابلس 1983

(5)- الحوليات الليبية ( منذ الفتح العربي حتى الغزو الإيطالي )
       تأليف
– شارل فيرو

       الطبعة الثانية : منشورات المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان
       طرابلس 1983
       الطبعة الثالثة : منشورات جامعة قاريونس بنغازي 1994
       الطبعة الثالثة : ( الناشر السابق ) 1998

(6)- منهج البحث في التاريخ والتدوين عند العرب
       الطبعة الأولي : منشورات جامعة قاريونس
– بنغازي 1990
       الطبعة الثانية : ( الناشر السابق ) .

(7)- في تاريخ ليبيا القديم ( الإغريق في برية ، الأسطورة والتاريخ )
       الطبعة الأولي : ( الناشر السابق )  بنغازي 1990

(8)- الحوليات التونسية ( منذ الفتح العربي حتى احتلال فرنسا للجزائر )

(9)- ليبيا في العصر الهلينستي ( قيد الإعداد ) .
 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سجل الزوار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للاتصال بنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهرس محتويات الملاحق الثقافية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 مدونتي - فضاء آخر له خصوصيته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عودة للصفحة الرئيسية بمجلة كراسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 


 






مجلة : تشكيلية - أدبية
www.kraassi.com
fabigraph@yahoo.com

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رئيس التحرير : فتحي العريبي
" فنان وكاتب تشكيلي ليبي "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هاتف نقال : 925764526 - 00218 : Mobile
 هاتف أرضي : 00218.61.2230185 : Tell  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ص.ب. 486 P.O.Box 
بنغازي - ليبيا 



مدير التحرير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
غازي عبد السلام
ghazelam@yahoo.com


المستشار الفني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
م . أحمد العريبي
ahmodif@yahoo.com
 


مراسلة المجلة - نيوكاسل
ااا  بريطانيا  ااا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمولة أخريبيش
amoulafabi@yahoo.com



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
كرسي قديم جاه جديد محاه نين تأثيره أغبي
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
اللي ما تردي مات أصحاب الكراسي راحوا  كلهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 

جميع الحقوق محفوظة لـ  مجلة كراسي   www.kraassi.com  ولا يسمح بنقل أي جزء من نصوص وصور وموسيقي هذه المجلة والمنشورات الصادرة عنها إلا بإذن كتابي من الفنان فتحي العريبي ، فيما عدا حالات الاقتباس القصيرة بغرض النقد أو التحليل وفقا للقواعد التي تفرضها الأصول العلمية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
كراسي : أول مجلة لها سبق الريادة باللغة العربية وفي جميع لغات العالم
 
المتخصصة في أدبيات وفنون الكرسي والكراسي

 
صاحبها ورئيس تحريرها الفنان الليبي : فتحي العريبي
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 



^ ^ الانتقال إلي أعلي الصفحة ^ ^