ملاحق ثقافية
ـــــــــــــــــــــــــــــ

تصدر عن : 

www.kraassi.com
رئيس التحرير : فتحي العريبي CV


 

من المكتبات العربية
دراسات - أبحاث - تحليلات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)- المكتبة التونسية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ديوان
سلري - سيرة الألواح المنسية
شعر : سلوى الرابحي
الطبعة الأولي 2007

الناشر  : مسكلياني للنشر والتوزيع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شارع 9 أفريل  - بئر المشارقة - تونس
 

سلرى أو سيرة الرّوح الشّعري
 



بقلم الدّكتور
فتحي النُصري (*)
nasrifethi@voila.fr
هاتفه الجوال : 0021697581056 : Mobile


لا تاريخ إلاّ تاريخ الرّوح
سان جون بيرس
 

       

صور الشاعرة سلوي الرابحي -
بكاميرا : فتحي العريبي
تونس - سيدي بوسعيد 16 ديسمبر 2007

دشّنت سلوى رابحي (**) بكتابها الشعري الجديد الموسوم بـ " سلرى " (1) طورا جديدا من تجربتها الشّعريّة . فبعد ديوانها البكر " أحنّط ظلّي بطين الكلام " (2) و الذي يضمّ مجموعة من القصائد تغلب عليها سمة القصر ، جاء مؤلّفها الجديد قصيدة واحدة مطوّلة بنتها الشّاعرة على حكاية و قسّمتها إلى ثلاثة أجزاء أو ثلاث حركات حملت العناوين التّالية :

 -الجزء الأوّل - الثّور رقّاص الموتى
 -
الجزء الثّاني - فاض البحر قال
-
الجزء الثّالث - ما وراء السّحاب

أمّا مدار هذه القصيدة فكتابة الذّات الشّاعرة و التّأريخ لسيرة " سلرى" الرّوحيّة و تحوّلات الرّوح الشّعري .

و سلرى اسم علم يحيل على الذّات الشاعرة ذاتها أو لنقل يحيل على الذّات الشّاعرة فيها . فهو مركّب من المقطعين الأوّلين من اسمها و لقبها . غير أنّ إحالة اسم العلم " سلرى " على الشّاعرة لم يحل دون اتّخاذ هذه الشّخصيّة التخيلية أبعادا أسطوريّة في هذا النصّ الذي يكتب سيرتها الشّعريّة بدءا من لحظة الخلق ، إذ كانت "سلرى " نطفة في رحم الشّعر " حتّى لحظة الموت و الفناء في " ذاكرة الأرض " . و هكذا تلتحم البداية بالنّهاية و تنغلق الدّائرة في هذا الزّمن الأسطوري الذي تجري فيه حكاية " سلرى" .

استهلت القصيدة في جزئها الأوّل بانبعاث " سلرى " من عالم الموتى و تتماهى " سلرى " في حركة انبعاثها طورا مع الثّور و طورا مع الأرض.

وللثور بالأرض علائق وشيجة ، فاستخدامه في الحرث جعل منه رمزا من رموز الفحولة و الخصوبة.

وهو إلى ذلك ، رمز للقوّة إذ هو في أساطير الخلق يحمل الكون على قرنه أو على ظهره بل هو عند المصريّين القدامى مصدر الحياة إذ ورد في بعض أساطيرهم أن الكون نشأ من استمناء آتوم . و لئن كانت لهذه الدّلالات الرّمزيّة أصداءها في قصيدة " سلرى " ، فإنّ الثّور قد اقترن حضوره بالنّار ، يتبدّى أساسا رمزا لطاقة الخلق التي استمدّتها " سلرى " أساسا منه بحلول روحه فيها .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



نقلا عن :
dina-dina-dina.blogspot.com/2007/11/blog-post...

"ستصرخ سلرى كالإعصار .. إذن
عاريةً ، ترقص نطفتها في رحم الشّعر
و عارية غطّاها الثّورُ بجِلدٍ مِنْ كَتِفَيْهِ
وراح يدقّ طبول البعث .
فرقَّاصَ الموتى كان الثّور (..)
يسبّح للنّاِر(..)
من مرقد ثور أبيض لاحت عشبة طينٍ

من معبد آلهة الأرض تجلّت
في مرقص موت تتشكل سلرى  "
 

في هذه الطّقوس الاحتفاليّة ، التي تذكّرنا بإقامة الشّعائر الدّينيّة في معابد الشّرق القديم ، تتظافر الإيحاءات الرّمزيّة بطقسيْ الرّقص و العري للدّلالة على العودة إلى الوضع البدائي أو الحالة الأصليّة من أجل تخطّي الثّنائيّات و استعادة الوحدة الأولى ، وحدة الجسد و الرّوح و الخالق و المخلوق و المرئي و غير المرئي (4).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



موت جلجامش -
The Death of Gilgamesh
نقلا عن :
www.wsu.edu/gened/orpheus/orpheus_gilgamesh.htm

و يجسّم الثّور في هذه الطّقوس يقظة الرّوح الشّعري فهو مذكّي الجذوة الإبداعيّة و مانح القوّة الرّوحيّة يعرك طينة " سلرى" رقصا و يهيّئ لاندلاع النّار في المزمار ، على أنّ حلول الثّور في " سلرى" و ارتداءها جلده قد يرمز إلى حلول الذّكورة في الأنوثة و النّار في الماء ، و هو ما يحيل القارئ مرّة أخرى إلى معاني الخصوبة و الإخصاب . (5)

و يتيقّظ الرّوح الشعري بـ " سلرى " و تسري فيها طاقة الخلق فتقبل على الطّين تبثّ فيه حياة و على التّراب تريده أن يعزف معها و يغنّي ، و لكنّ الطّين بلا روح و التراب بلا وتر و تبقى " سلرى " " ابنة آلهة الصّلصال " أسيرة الثّنائيّات و التّناقضات ، رهينة الزّمان و المكان.

" أُنبِّتُ هذي الدِّماء بقلب الطبيون
فتورقُ في غصن روحي
خلايا المكانِ . "

و لا يبقى لسلرى و قد استفرغت ماءها بلا جدوى إلّا أن تهيب بثورها أن ينقضها من "أنصاف البعث " ، و تنغلق الحركة الأولى بشرخ في الذّات و تردّد بين الرّسوب في هوّة الصّمت ( البئر ) أو الموت و التّوق إلى الحياة و البعث.

في الجزء الثّاني من القصيدة ، تتجدّد آمال "سلرى " في البعث و استعادة ملامحها الضّائعة وتخوض مغامرة نشدان الذّات و طلب الهويّة الشّعريّة . و تبدو " سلرى " في مستهلّ هذه الحركة الثّانية في وضع انتقالي بين الموت و الحياة و بين الصّمت و الكلام.

 " كم كنتُ معلّقةً كالكوكبِ
راقَصهُ إيقاعُ الصّمتِ فدارَ و دارْ
فلا القاعُ تُصدِّقُ موتي الآنَ
و لا ثَغْرُ البئْرِ تُغازِله الأمطارُ لأطفو "
 

و تتظافر في هذا السّياق رموز البئر و الأفعى و البحر باعتبارها موضعا للتحوّل و عاملا له في الآن نفسه للتّعبير عن تحوّلات " سلرى " الجسديّة و الرّوحيّة . و إذا كانت الأرض موضع البعث الأول الذي أفضى بـ " سلرى " إلى الجدب و كانت أنهارا ، فإنّ البعث هذه المرّة يكون في الماء إذ تزفّ " سلرى " عروسا للبحر حتّى يفيض طوفانا مثلما كان المصريّون القدامى يقدّمون للنّيل فتاة عذراء حتّى يفيض النّهر و يعمّ الخصب.

و في هذه الحركة الثّانية تحلّ الأفعى بديلا للثّور و يقوم الموج ثمّ النّسر مقام النّار في الحركة الأولى و معادلين لها من حيث الوظيفة الرّمزيّة .و تهيم " سلرى " على وجه البحر وقد اشتملت بجلد الأفعى . و يبدو الصّراع المهيمن في هذه الحركة صراعا بين النّوازع الباطنيّة أو الرّغبات اللّاشعوريّة الكامنة في أعماق الذّات و التّوق إلى التّسامي و التّحليق . و لعلّ هذا مغزى القتال بين الأفعى و الثّور.

و تفضي هذه الحركة مثل سابقتها إلى مخاض ، و يتلوّى صوت " سلرى " مثل الأفعى التي لم تبرح صوتها ، و تكتبها الألواح شعرا و تتجلّى لها بعض ملامحها ، لكن " اللّغة الخرساء " لا تخلص من الشّوائب فهي من الجواهر إلاّ الأعراض و لا تدرك من الأشياء إلاّ أطيافها أو ذكراها و هكذا تبقى " سلرى " غريبة عن أحلامها و يظلّ الإحساس بالعقم ملازما لها .

 "لساني تغرسه الأحلامُ شُجيرةَ توتٍ
قامتُها ألِفٌ
لمْ أذكرْ حينَ أفقتُ ثِمارَ التّوت ..
ولكن…ها رأسُ الألفِ الأفعى
تبتلعُ الأحلام
وَ تنثُرُني في اللّغة الخرساءِ
مذاقَ التّوت
و أهـ
طِ
لُ

لم أهطلْ عريا
لأراني ماءً تبذره الأرضُ العطشى "

عن أرشيف مجلة : كراسي

و لم يبق لـ" سلرى " إلاّ أن تتخطّى ذاتها ، في حركة جدليّة من النّفي و الإثبات ، باحثة عن بعث آخر يتّخذ هذه المرّة الأعالي وجهة له :

"ستلفظكِ الموجاتُ بعيدا
 
.... نحو الغيمِ
فكوني طيراً ...
يحملُ ملحَ البحِرِ ,
عراجين المرجانِ
و سلرى
قُربانا لأعالي هذا الكونِ  ...   "

  و يقودُدّت إليها ، أو مرآة تنعكس فيها ملامح الذّات و شروخها . نا هذا التحوّل الأخير إلى الجزء الثّالث الموسوم بـ " ما وراء السّحاب " و فيه تتماهى " سلرى" ابنة آلهة الصّلصال " بالحلم و قد غدا مرادفا للشّعر أو اسما آخر له ، و يطفو في هذا السّياق اللّون الأزرق باعتباره لون الأحلام و رمزا للحلول فيها و لشفافيّة حضور الذّات في الكلمات . و تنصرف " سلرى " بكلّيتها إلى الشّعر ، تكتب ذاتها عسى أن تتخلّص من غربتها و أوزار ذاكرتها ، و لكن أنّى لها ذلك و أمسها بعض منها و غربتها ثاوية فيها و شعرها لا يعدو أن يكون صورة منهار .

"  هو الشعر غريب الوجه بلا شكلٍ
كم تهديه الأحزان ملامحها
و غريب الخصب بلا ولدٍ ،
ناداك اللّيل أبي
وحبلتَ طويلا بقصائد غربتنا "

و لكن قدر الشّاعرة أن تأوي إلى الشّعر و قدر غربتها أن تثوي فيه ، و قدر الشّعر أن يكون غريبا عن الأرض و اللّغة . فلا لغة للشّعر غلاّ لغة الأكوان و لا وطن له إلا مطلق المكان و لا زمان إلاّ مطلق الزّمان .. تلك ماهيّة الذّات الشّاعرة ، بهذا غدا الشّعر هويّة " سلرى " و سكنها الذي تأوي إليه و زمنها الذي تحياه . و من أجمل ما في الجزء الثّالث تلك المقاطع التي تناجي فيها " سلرى" حبيبها الشّعر و يناجيها مناجاة فيها من التولّه ما يذكّرنا بخطاب الحبيبين نشيد الإنشاد.

ولئن لم يفض حلول الشّعر في " سلرى " و حلولها فيه إلى تحقيق الوحدة المنشودة و لم يؤدّ غلى تخطّي الثّنائيّات و التّناقضات فتلك منزلة الكائن إذ أنّ " سلرى لا تعدو أن تكون مزيجا من المحدود و المطلق و الصّمت و الصّوت و الموت و الحياة. و حسب " سلرى " من هذه التّحوّلات التي مرّت بها في مغامرة كتابة الذّات أن اتّضحت لها هويّتها و تحدّدت ملامحها و تجلّت لها ذاتها في قصيدتها التي هي طفلها هبة الرّوح من غير بشر ، تماما مثل معجزة مريم فحقّ لها أن تسرّ به .

 " أوصيك بسلوى
ارمِ ملامحها في البحر و قل :
كانت تحلم بالطّفلِ
و لم يكن الطّفل سوى
فرحٍ بمخاض الصّمت
و أوصيك بسلوى
أنسج ملامحها في الشّعر "
 

يتضح من هذا العرض المجمل لأجزاء القصيدة الثّلاثة أنّ مدارها هو التّجربة الشّعريّة ذاتها و معاناة الخلق و هويّة الذّات الشّاعرة و تحديد ماهيّة الشّعر و هي مسائل و إن كانت قديمة ، فإنّها أضحت ملازمة للقصيدة الحديثة بل لعلّها مظهر من مظاهر حداثة الشّعر الذي أصبح ينزع منذ النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر بفعل إشعاع الشّعراء الرّمزيّين الفرنسيّين و تأثير مفهوم الشّعر الخالص إلى التخلّص من كلّ ما ليس منه ليرتدّ إلى نفسه ، أو ليدور حولها باحثا في مراياه عن صورته الخالصة التي لا تشوبها شوائب الإيديولوجيا أو محاكاة الواقع أو تصوير مشاغل المجتمع.

ولقد باشرت سلوى رابحي هذه المسائل باعتماد مادّة سرديّة تحاكي الأساطير و تستلهم رموزها . وهو ما أضفى على القصيدة طابعا رمزيّا ووسمها بالكثافة و أشاع فيها قدرا كبيرا من الغموض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  

عن أرشيف مجلة : كراسي

غير أنّ مصادر الغموض ، وهو سمة بارزة في قصيدة "سلرى " متعدّدة ، فعلاوة على استدعاء الأساطير و الاقتصار في الإفادة منها على الإشارة المكثّفة ، وجدنا الشّاعرة تحيل و بالأسلوب المكثّف نفسه على شذرات من التّراث القصصي الدّيني من ذلك إشارتها الخفيّة إلى قصّة مريم في معرض تأكيد طبيعة الشّعر الرّوحيّة و مصدره العلوي و ذلك في قولها:

" هو الشّعر و لم يعرفْ بَشَرا "



نقلا عن :
www.g10g10.com/vb/showthread.php?t=5465

و من مصادر الغموض في قصيدة " سلرى " كثرة الرموز ففيها استخدام مكثّف لرمزيّة العناصر الأربعة أو الأستقصّات الماء و التّراب و النّار و الهواء، وهي نماذج أصليّة تنطوي على دلالات رمزيّة ثريّة متعدّدة . و قد وظّفت الشّاعرة ، علاوة على العناصر الأربعة ، حشدا من الرّموز الأخرى نذكر منها الثّور و الأفعى و البحر و البئر و النّسر و الطّوفان و الملح و المرجان و غيرها.. نظيف إلى ذلك أنّ الرّمز الواحد قد ينطوي على دلالات مختلفة ، متباعدة فالأفعى على سبيل المثال تستدعى في القصيدة باعتبارها عاملا للتّحوّلات الجسديّة و الرّوحيّة ..وهي دلالات اقترنت بها في الأساطير المصريّة القديمة ، غير أنّ الأفعى في القصيدة تكتسي دلالات مغايرة انضافت إليها من الأساطير العبريّة و الإسلاميّة مثل الإغراء و الإغواء. وقد يتأتّى الغموض في قصيدة "سلرى" من مصادر أخرى لغويّة أو تركيبيّة من ذلك ما يتّصل بالاشتراك اللّفظي أي دلالة اللّفظ الواحد على معان مختلفة، فكلمة رقّاص الواردة في قول الشّاعرة : " رقّاص الموتى كان الثّور " تعني المكثر من الرّقص و تعني رقّاص السّاعة و هو جسم خاضع لفعل الثّقل تضبط بواسطته حركات السّاعة و إذا كان سياق القصيدة يستدعي المعنى الأوّل فإنّ المعنى الثّاني ممّا يتبادر إلى ذهن المتلقّي ، لا سيما و أنّ النصّ يتطرّق إلى قضيّة الزّمن و فعله في الكائن. و قد يكون التّركيب النّحوي مصدر غموض في النّص ، فالضّمائر على سبيل المثال متنوّعة في القصيدة جنسا و عددا و شخصا تظلّ في بعض المواضع مبهمة فلا يرفع السّياق عنها الإبهام ، و لا تتضح دلالتها بيسر فالمخاطب في قولها:

 " سيكتمل الجسم الهائمْ
سوف تعود ملامحك الأولى
اسمعْ وشوشة الألواحِ "

نقلا عن :
www.g10g10.com/vb/showthread.php?t=5465

يكتنفه الغموض رغم أنّ منطق القصيدة يستدعي أن يكون هذا المخاطب "سلرى " نفسها. و لكن يجب الإقرار أنّ الشّاعرة سعت إلى الحدّ من هذا الغموض لضمان مقروئيّة النّص و ذلك بواسطة إجراءات محدّدة مثل التّعليق للتّوضيح أو التّفسير ، و تدرج الشّاعرة هذا الضّرب من التدخّلات بين قوسين من ذلك لجوؤها إلى تعيين المتكلّم في النص في مواضع عديدة كأن تعلّق قائلة : ( هذا ما غنّاه الثّور...) أو كأن تتدخّل لإضاءة طور الحكاية :" ( ما زال الثّور قبيل مجيء النّار ، يصارع ، يعرك طينتها رقصا )" و ندرج ضمن هاجس المقروئيّة ، استخدام الشّاعرة لتقنية التّذكير (7) على غرار ما يلاحظ في مفتتح الجزء الثّالث من القصيدة ، عندما عادت الحكاية على آثارها لتذكّر القارئ بأطوارها السّالفة . و من الجليّ علاوة على دوره الإيقاعي المقترن بالتّرديد ، يشدّ أوصال الحكاية بعضها إلى بعض وهو ما يساعد على استجلاء منطقها الدّاخلي و ترابط وقائعها و يساهم في تحقيق التّواصل و الإفهام.

ولعلّ هذه المراوحة بين الإبهام و الإيضاح مظهر من مظاهر التّعامل بين الشّعر و السّرد في قصيدة " سلرى " فالشّعر يقتضي تحفيز دلالة الإيحاء في الكلمات التي تستعمل فيه لغايات جماليّة ، لا باعتبارها نسقا مرجعيّا و هو ما يسم الإحالة بالإبهام ، في حين أنّ السّرد يوظّف بلاغة عمليّة أساسها الوضوح و غايتها التّواصل و الإفهام و الإقناع ، و من ثمّة فالكلمات فيه تستعمل في معانيها التي وضعت لها و تحيل على مدلولاتها إحالة مطابقة ، و هو ما يعني هيمنة الوظيفة المرجعيّة في السّرد على سائر الوظائف اللّغويّة.

و الحقّ أنّ سلوى رابحي تحاشت المنزلقات التي يمكن أن يؤدّي إليها تسريد الشّعر . و بإمكاننا القول إذا استثنينا مواضع قليلة (8)أنّها وفّقت في تخليص كتابتها الشّعريّة من مساوئ التّقرير أو النّثريّة ، و لا شك أنّ استدعاءها مادّة أسطوريّة تستثير الخيال و تحفّز الرّموز من شأنه أن يساهم في تحقيق المواءمة بين الشّعري و السّردي في هذه القصيدة..

 .غير أنّ إخضاع المادّة السّرديّة لمقتضيات الشّعريّة قد تحقّق في قصيدة "سلرى " بواسطة إجراءات أخرى هي من مظاهر التّعامل بين الشّعري و السّردي . من هذه الإجراءات ما نعدّه حدّا من سرديّة النص أو تجريدا للحكاية من طابعها السّردي ، فالشّاعرة تعدل بانتظام عن القصّ و موضوعيّته التي تفترض أن لا أحد يتكلّم و أنّ الأحداث تروى من تلقاء نفسها ، إلى الخطاب الغنائي المشدود إلى ضمير المتكلّم فتطفو الوظيفة الانفعاليّة في النّص و تحلّ الأساليب الإنشائيّة محلّ الإخبار القصصي. و قد أفضى ذلك إلى التّداخل بين السّرد و أنماط أخرى من الخطاب مثل البوح و الشّكوى و المناجاة ، مثلما أفضى التباس صوت الرّاوي بأصوات المتكلّمين في القصيدة و النصّ بأجزائه الثّلاثة يقدّم شواهد كثيرة على ما ذكرنا إلّا أنّنا نقتصر على واحد منها :

نَظَرتْ "سلرى " فإذا الأرضُ امرأةٌ حبلى عمياءُ ،
تدقُّ بِكفّيها جوفًا
قدْ نزَّ تُرابا
ظلّتْ واقفةً : " كم بي وجَعُ الطُّوفانِ
و لمْ يبرقْ رَحِمي قطراتِ نَدى" .
وكم بي وجع الكلمات
فأصغي لرحيل الصّوت
قبيل البوح بأسرار البكم